هوليوود تُصارع للبقاء في زمن الذكاء الاصطناعي.

هذا الصراع الذي تقوده عاصمة العالم في صناعة الأفلام، وصاحبة القدرة الأكبر على المواجهة، ليس صراعًا تقنيًا فحسب، بل صراع من أجل بقاء الإبداع الإنساني ذاته.

صراع نيابة عن الخوف الذي يعيشه كل من يعمل في مجالات الإعلام والسينما والمسلسلات والإنتاج المرئي والمسموع حول العالم.

صراع يبدو — بكل المقاييس — خاسرًا لصالح المخلوق الجديد الذي خرج من بين أيدينا، وتعلّم منّا، واصبح قادرًا على محاكاتنا، بل على تجاوزنا.

لو أردت منذ عام فقط، أن تضع براد بيت في البيت الأبيض، لاحتجت إلى تصاريح، وفريقٍ تقني ضخم، وأشهرٍ من التحضير.

اليوم، يمكنك فعل ذلك من وراء شاشة حاسوبك، بأمرٍ نصّي بسيط لبرنامج ذكاءٍ اصطناعي.

بل يمكنك — إن أردت — أن تُحيي الأموات وتعيدهم إلى الشاشة ليمثّلوا في مشاهد جديدة، دون أي جهدٍ أو تكلفةٍ مادية أو فريق عمل.

لكن هذه القدرة الخارقة لا تأتي بلا ثمن. فما يراه البعض ثورةً فنية، تراه هوليوود تهديدًا وجوديًا.

من يملك الملامح؟

برنامج Sora 2 الذي أطلقته شركة OpenAI فجّر الأزمة عندما أتاح للمستخدمين إدخال صورٍ وأصواتٍ لممثلين حقيقيين داخل مشاهد جديدة مُولَّدة بالكامل بالذكاء الاصطناعي.

الممثلون لم يعودوا بحاجة إلى الحضور لتصوير المشهد، والمنتجون لم يعودوا بحاجة إليهم أصلًا.

يمكن استخدام وجوههم دون استئذان، وخلق نسخٍ رقمية بأشكالٍ مختلفة تُدرَّب على مهاراتهم وأدائهم.

النقابات الفنية ووكالات المواهب الكبرى مثل WME وCAA أعلنت رفضها القاطع، ووصفت ما يحدث بأنه قرصنة للملامح البشرية.

أما الاستوديوهات العملاقة مثل ديزني ووارنر، فاتهمت الشركات التقنية بانتهاك القانون تحت غطاء “الابتكار”.

ردّت OpenAI بأنها “تعمل على نظام تعويضٍ عادل”، لكنها في الوقت نفسه اعتمدت ما يشبه سياسة “الانسحاب الطوعي”:

إن لم تُعلن رفضك، فوجهك متاح للاستخدام.

الإبداع بين الخيال والسرقة

الذكاء الاصطناعي لا يستلهم من الماضي كما يفعل المبدعون، بل يستنسخ.

يُغذَّى بملايين اللقطات والمشاهد والأغاني ليُعيد تركيبها بذكاءٍ مذهل — لكن من دون إذن أصحابها.

وفي هذه المعادلة، تتحوّل الذاكرة الثقافية البشرية إلى وقودٍ لخوارزمياتٍ لا تفرّق بين الإبداع والملكية.

ربما آن الأوان لولادة نظامٍ عالميٍّ جديد لترخيص الوجوه والأصوات، نظامٍ يُشبه حقوق النشر، لكنه يحمي حق الإنسان في صورته وصوته ووجوده.

الإبداع في وجه الخوارزمية

الصراع الفعلي ليس على أرباحٍ أو حقوقٍ، بل عن جوهر الفن نفسه، وما يحمله من قيمٍ ومعانٍ، وعن جوهر الوجود الإنساني في الإبداع، بما فيه من عاطفةٍ ومشاعر لا يمكن قياسها بالرموز.

لم يعد السؤال الحقيقي: “هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على المهنة؟”

بل أصبح: هل سيبقى الإنسان جزءًا من الصورة أصلًا؟

لهذا تبدو معركة هوليوود وكأنها معركة الإنسان الأخيرة في وجه نسخته الاصطناعية.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *