أفريقيا ولعنة الموارد..
قصة قديمة تمتد فصولها منذ القرن التاسع عشر، فيما يُعرف بزمن “التدافع على إفريقيا”، والذي تُوّج بمؤتمر برلين عام 1884 – 1885، يوم اقتسمت القوى الأوروبية القارة رسميًا. منذ حينه وأفريقيا تُنهب، تُستعبد، وتُستغل، لصالح الدول الكبرى. منذ حينه وغذاءُ أوروبا ودول العالم الأول، ودواؤُها، وملبسُها، وصناعاتُها، وطاقتُها “المتجددة”، وهواتفها الذكية، ورفاهُ مجتمعاتها، وجزء يسير من أموال صناديقها الاستثمارية… معظمها على حساب إفريقيا.
لكن الجديد أن الذكاء الاصطناعي، هذا المخلوق المدهش الذي دخل علينا وأصبح يزاحمنا ويتفوق أحيانًا كثيرة، يتغذى هو أيضًا على خيرات القارة السمراء.
استهلاك أنظمة الذكاء الاصطناعي للمعادن الأفريقية
هذه التكنولوجيا التي توصف بـ”ثورة العصر”، لا تعمل في الفراغ. تحتاج إلى شرائح متطورة، مراكز بيانات عملاقة، بطاريات خارقة، وأجهزة تبريد كثيفة… وكل هذا لا يمكن بناؤه دون كوبالت، ليثيوم، نيوديميوم، وغرافيت.
وفي حين تمتلك أفريقيا نحو 30% من احتياطيات المعادن الأساسية في العالم اللازمة للإلكترونيات وتقنيات الذكاء الاصطناعي، لا تحصد سوى 10% فقط من الإيرادات العالمية لهذه الموارد.
هذا الخلل يسلّط الضوء على نمط من الاستغلال، حيث تُستخرج ثروات أفريقيا لتغذية ابتكارات التقنية العالمية دون مردود عادل للقارة.
- الكوبالت (Cobalt): معدن أساسي يدخل في صناعة بطاريات الليثيوم-أيون القابلة لإعادة الشحن وتُستخدم في وحدات التغذية الاحتياطية لمراكز البيانات والخوادم التي تُشغّل خوارزميات الذكاء الاصطناعي. تمتلك أفريقيا – وتحديدًا جمهورية الكونغو الديمقراطية – أكبر احتياطي عالمي من الكوبالت.
- الليثيوم (Lithium): يُستخدم في أنظمة تخزين الطاقة لمراكز البيانات. في سياق الذكاء الاصطناعي، تتيح بطاريات الليثيوم التخزين الفعّال للطاقة لضمان عمل الخوادم العملاقة دون انقطاع. شركة جوجل على سبيل المثال في العام 2025 نشرت أكثر من 100 مليون خلية ليثيوم-أيون ضمن مراكز بياناتها حول العالم. تحتوي أفريقيا على احتياطيات مهمة من الليثيوم في بلدان مثل زيمبابوي التي صُنّفت خامس أكبر احتياطي عالمي.
- النيوديميوم (Neodymium) ومعادن الأرض النادرة: النيوديميوم هو واحد من العناصر الأرضية النادرة المهمة في تصنيع المغانط الدائمة عالية القوة. تدخل هذه المغانط في مكونات الأجهزة الإلكترونية المتقدمة، والتي يعتمد عليها تشغيل الخوادم وروبوتات الذكاء الاصطناعي وغيرها من التقنيات. كما لدى جنوب أفريقيا احتياطيات من عناصر مجموعة البلاتين التي تدخل في صناعات إلكترونية متقدمة (مثل تصنيع شاشات العرض عالية الدقة).
- الكولتان (Coltan): مزيج من خامي الكولمبايت والتانتاليت، وهو المعدن الذي يُشغّل أجهزتنا الحديثة، حيث تُستخدم مادة التانتالوم المستخرجة منه في مكثفات الهواتف والحواسيب والكاميرات لضمان تنظيم الجهد الكهربائي وتخزين الشحن في الدارات. تمتلك أفريقيا موارد وفيرة من الكولتان، خصوصًا في الكونغو الديمقراطية ورواندا.
- النحاس والمعادن الأخرى: توجد معادن أساسية أخرى تدخل في صميم بنية تقنيات الذكاء الاصطناعي. النحاس مثلًا عنصر لا غنى عنه في الأسلاك ولوحات الدوائر المطبوعة ووصلات الخوادم نظرًا لقابليته العالية في التوصيل الكهربائي. وتشير توقعات وكالة الطاقة الدولية إلى أنه في عام 2030 قد يصل استهلاك مراكز البيانات عالميًا إلى حوالي 512 ألف طن من النحاس سنويًا.. كذلك الجرافيت (الكربون)، الذي يدخل في صناعة أقطاب بطاريات الليثيوم-أيون (أنودات البطارية)، وتملك مدغشقر وموزمبيق احتياطيات كبيرة منه. وحتى البوكسيت (خام الألمنيوم) الموجود بغزارة في غينيا، يُعد أساسيًا لتصنيع هياكل الأجهزة ومكونات أشباه الموصلات.
الجهات المسيطرة على الموارد وأساليب الاستخراج الرخيص
عرفت الشركات الكبرى كيف تستغل أمرين: حاجة الدول الكبرى للخام، وقوة نُظم الفساد والانقسامات في الدول الإفريقية.
فتحت ستار الحاجة، سكتت الدول المنظّرة لحقوق الإنسان عن كل الانتهاكات، وتحت شبح الفساد ومرض الانقسامات، تجندت عصابات، ظاهرة أحيانًا وبزيّ الحكم أحيانًا أخرى، تستعبد الناس وتسرق الموارد لصالح هذه الشركات.
وعند الحاجة، تتدخل الحكومات وتعمد لترسيخ نفوذها إلى إبرام عقود امتياز طويلة الأجل مع حكومات أفريقية ضعيفة بشروط مجحفة، أو اتفاقيات “موارد مقابل بنية تحتية/قروض”، حيث تموّل دول كالصين مشاريع طرق وسكك مقابل ضمان إمدادات المعادن لعقود. أو عبر أساليب ضغط جيوسياسي؛ فعلى سبيل المثال، سعت الولايات المتحدة مؤخرًا إلى عقد صفقة مع حكومة الكونغو تتيح للشركات الأمريكية الوصول إلى معادن الليثيوم في شرق الكونغو مقابل دعم أمني وعسكري للحكومة ضد حركة التمرد.
في جمهورية الكونغو الديمقراطية، باتت الشركات الصينية تسيطر على غالبية مناجم الكوبالت والنحاس في الجنوب بعد أن اشترت أصول شركات غربية وشمالية كانت تعمل هناك سابقًا. وقد كشفت تحقيقات صحفية عن انتهاكات جسيمة لحقوق العمال في هذه المناجم: عمال يعملون عبر متعهدين محليين بأجور زهيدة (أقل من نصف دولار في الساعة في بعض الحالات)، وبدون عقود ثابتة أو تأمينات، ويتعرضون لسوء المعاملة والتمييز العنصري من قبل بعض المشرفين.
إلى جانب الصين، لا تزال هناك شركات تعدين عالمية كبرى (غربية وغيرها) تنشط في أفريقيا. شركة جلينكور (Glencore) السويسرية مثلًا من كبار منتجي الكوبالت والنحاس في الكونغو الديمقراطية، وتمتلك مناجم كبيرة مثل موتاندا (Mutanda) وكاتانغا. ورغم حديث هذه الشركات عن الالتزام بالمعايير، فقد وثقت تقارير حقوقية ظروف عمل قاسية وتلوّث بيئي حول مواقع تشغيلها. شركات أخرى من الولايات المتحدة وأوروبا تستفيد من الأسعار المتدنية للخام الإفريقي، في ظل ضعف قدرة الحكومات الأفريقية على التفاوض.
ظروف العمل الاستغلالية
وثقت تحقيقات العفو الدولية عام 2016 أن الأطفال كانوا يعملون في تعدين الكوبالت منذ سن 7 سنوات في أنفاق يدوية ضيقة معرضة للانهيار. يشتغل هؤلاء الأطفال والبالغون لساعات طويلة تصل إلى 12 ساعة يوميًا مقابل دولار أو دولارين فقط في اليوم.
ولم يقتصر الضرر على العمال، بل امتد إلى المجتمعات السكانية القريبة من مواقع التعدين. مع توسع مشاريع التعدين الصناعي لتلبية الطلب العالمي، تعرّضت قرى وأحياء كاملة للتهجير القسري والإخلاء. في تقرير حديث لعام 2023، وثّقت منظمة العفو الدولية في الكونغو حالات إجلاء قسري لقرى بأكملها لصالح توسعة مناجم الكوبالت والنحاس. وبعض الأحياء السكنية القديمة دُمّرت بالكامل منذ إعادة فتح منجم ضخم عام 2015، تاركة الأسر مشرّدة بلا تعويض عادل.
يصاحب التعدين المكثف تلوّث خطير للبيئة ينعكس على صحة المجتمعات. تصدر المناجم مخلفات سامة ومعادن ثقيلة إلى المياه والتربة والهواء. في قلب حزام النحاس والكوبالت بالكونغو، كشف تقرير حديث (2024) لمنظمة RAID الرقابية وAFREWATCH أن التلوث الناجم عن المناجم الصناعية ألحق أضرارًا صحية وبيئية جسيمة بعشرات آلاف السكان حول مدينة كولويزي. وجدت الدراسة مستويات عالية من الملوثات في الأنهار والتربة المحيطة، مما أدى إلى انعدام مياه الشرب النظيفة وانتشار أمراض جلدية وتنفسية بين الأهالي.
ذكاء بلا أخلاقيات
“لعنة الموارد”، عبارة أطلقها ليف وينار في كتابه نفط الدم على الدول التي تمتلك الموارد بينما شعبها في عوز. ويميز ليف بين الموارد التي شكلت نعمة في دول عدة مثل النرويج، ودول الخليج العربي التي عرفت كيف تسخّر دخلها لضمان رفاه شعبها، وشكلت لعنة على دول أخرى. ويقول وينار في إحدى محاضراته:
“إن لعنة الموارد مشكلة جدية بنفس قدر العبودية والاستعمار.”
شاركت منذ فترة في جلسة نقاش نظمتها مجموعة أوروبية مختصة حول القوانين اللازمة لضمان أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، لفتني في تلك الجلسة هذا الغياب التام للسؤال الأهم:
على حساب من نبني؟
بينما يزداد العالم تطورًا بفضل الذكاء الاصطناعي، تزداد إفريقيا بؤسًا. إنها لعنة الموارد.


لا تعليق