ChatGPT يدخل عالم الأخبار: خطر على وسائل الإعلام

ChatGPT يدخل عالم الأخبار: خطر على وسائل الإعلام

 

في خطوة جديدة تعيد رسم علاقة الجمهور بالخبر، أطلقت شركة OpenAI أداة “ChatGPT News Digest”، أو ما يُعرف باسم “Pulse“، لتقدّم للمستخدم موجزًا يوميًا للأخبار حول المواضيع التي يختارها داخل التطبيق نفسه، دون الحاجة لزيارة أي موقع أو منصة إعلامية.

تستعرض الأداة أبرز الأحداث العالمية في نقاط مختصرة، مع تحليل سريع بلغة يفهمها القارئ العادي، وتستند إلى محتوى من مؤسسات إخبارية كبرى حصلت على تراخيص استخدام بياناتها.

لكن وراء هذه البساطة التقنية، تكمن ثورة إعلامية صامتة. فقد أصبحت منصة الذكاء الاصطناعي واجهة توزيع أولى للمحتوى، والمكان الذي يبدأ منه القارئ يومه وينتهي إليه، بعد أن كانت وسيطًا ينقل الأخبار.

ChatGPT يدخل عالم الأخبار: خطر على وسائل الإعلام

هذا التحوّل يطرح أسئلة وجودية على وسائل الإعلام: إذا كان المستخدم يقرأ الموجز داخل ChatGPT، فمن الذي سيزور المواقع أو يتابع الشاشة؟ ومن الذي سيحصل على الإيرادات الإعلانية؟ وما مصير العلاقة المباشرة بين الصحفي والجمهور في عالمٍ يتلخّص كله في ثلاث نقاط ذكية؟

في الظاهر، هي أداة تسهّل الوصول إلى المعلومة، لكن في العمق قد تكون الخطوة الأولى نحو إعادة تعريف “من يملك الخبر”، ومن يستفيد من قيمته الاقتصادية والمعرفية في عصرٍ تتحد فيه الخوارزميات مع الأخبار لتصنع سردًا جديدًا خارج غرف الأخبار التقليدية.

 

ما هي خيارات وسائل الإعلام؟

لا يمكن لوسائل الإعلام مهما بلغت قوتها وخبرتها وميزانيتها منافسة هذه الخدمة الجديدة، وفي أي مواجهة ميزان الربح محسوم. يبقى الحل اذا في التناغم والتكامل، وذلك عبر بخمس مسارات تجمع بين الاستراتيجية والتحرير والابتكار:

 

أولًا: توقيع اتفاقات ترخيص ذكية لا دفاعية

بدل انتظار استغلال المحتوى مجانًا، على المؤسسات الإعلامية أن تبادر إلى التفاوض مع شركات الذكاء الاصطناعي مثل OpenAI وGoogle و Perplexity لتوقيع عقود ترخيص محتوى تضمن:

  • عائدًا ماليًا واضحًا عن استخدام النصوص أو الصور في تدريب النماذج.
    بند شفافية حول كيفية استخدام البيانات التحريرية.

  • آلية لتقاسم العائدات عند إدراج المحتوى في أدوات مثل Pulse أو AI Overviews.

ويوجد سوابق ناجحة في هذا المجال مثل الاتفاق الذي تم توقيعه في مارس 2024 بين صحيفة Le Monde و Open AI، والذي سمح باستخدام محتوى صحيفة “لوموند” الفرنسية لتدريب نماذج ChatGPT وSora، مقابل عائد مالي دوري وحق الإشراف على طريقة عرض أخبارها داخل ChatGPT. والأهم أن الاتفاق تضمّن بندًا ينص على تخصيص 25 في المئة من العائدات للصحفيين أنفسهم عبر النقابة المهنية، أي أن الربح يُوزّع داخل المؤسسة، لا يبقى عند الإدارة فقط.

وهناك اتفاق مماثل بين OpenAI ومجموعة News Corp تشمل صحفًا كبرى مثل Wall Street Journal وNew York Post وThe Times وThe Sun وغيرها.

ثانيًا: إطلاق موجزات ذكية خاصة بها

يمكن لكل مؤسسة إعلامية تطوير خدمة تلخيص أخبارها الخاصة بالذكاء الاصطناعي، من خلال تطبيق أو واجهة دردشة باسمها، تقدم موجزًا مخصصًا من إنتاجها يحمل هويتها التحريرية وصوتها.بحيث تكون المؤسسة في الواجهة بدل أن تُختزل داخل ملخص من طرف ثالث.

 

ثالثًا: بناء بنية لتتبّع المحتوى (Content Provenance)

يتعلّم الذكاء الاصطناعي من كل ما يُنشر. لذلك تحتاج وسائل الإعلام إلى بصمة رقمية لكل مادة تُنشر، بحيث يمكن تتبّعها داخل نماذج الذكاء الاصطناعي لاحقًا والمطالبة بحقوقها تلقائيًا.
تُعرف هذه التقنية باسم Content Credentials وتتبنّاها شركتا Adobe وCoalition for Content Provenance and Authenticity (C2PA.

 

رابعًا: تنويع مصادر الإيراد حول الذكاء الاصطناعي

بدل الاكتفاء بالإعلانات والزيارات، يمكن تحويل المعرفة التحريرية نفسها إلى:

  • اشتراكات تحليلية ذكية (AI powered insights subscriptions).

  • شراكات API تمنح نماذج الذكاء الاصطناعي حق الوصول إلى محتوى مميّز مقابل عائد دوري.

 

خامسًا: تدريب الصحفيين على “الذكاء التحريري”

لمواجهة الخوارزميات، يجب أن يتحوّل الصحفي من مجرّد ناقل للمعلومة إلى شارح لها ومنتج لمحتوى أعمق حولها يغذي به الذكاء الاصطناعي، ويجب أن يفهم كيف تعمل النماذج، وكيف يمكن استخدامها بشكل أخلاقي في إنتاج المحتوى والتحقق منه، وفي الوقت ذاته الدفاع عن حقوقه كمصدر للبيانات.

 

الخلاصة:

رغم ما تمثله هذه الخدمة الجديدة من خطر، الا ان  الخطر الحقيقي على الإعلام لا يكمن في ChatGPT أو أدوات الذكاء الاصطناعي ذاتها، بل في تأخّر المؤسسات الإعلامية عن فهم قواعد اللعبة الجديدة. الخوارزميات لا تنتظر، والجمهور لا يعود إلى الوراء.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *